الرئيسية »» موضوع للمناقشة »»مسألة الإصلاح الدستوري في بلدان شمال إفريقيا و الشرق الأوسط ( المغرب نموذجا )
مسألة الإصلاح الدستوري في بلدان شمال إفريقيا و الشرق الأوسط ( المغرب نموذجا )
المصطفى صوليح*El Mostafa Soulaih
مدخل مقارن : لا تختلف نظم أقطارنا الدستورية من البحر إلى البحر إلا تبعا لاختلاف شكل الدولة . فمثلا ، فيما يصف دستور كل من الإمارات العربية المتحدة و السودان و جزر القمر شكل الدولة فيها بأنه اتحادي( فيدرالي)، فإن دستور تونس يصف شكل هذه الدولة بأنه مركزي ( موحد ) ،،،،
و لا تختلف نظم هذه الدساتير إلا تبعا لطبيعة النظام السياسي القائم في كل من هذه الدول . فمثلا ، فيما ينص دستور المملكة العربية السعودية على أن نظام الحكم فيها هو نظام ملكي وراثي و ينص دستور البحرين على أن حكم مملكة البحرين ملكي دستوري وراثي و ينص دستور قطر على أن حكم الدولة وراثي و ينص دستور الأردن على أن هذا النظام هو ملكي دستوري و ينص دستور المغرب على أن النظام السياسي فيه هو ملكية دستورية ديمقراطية و اجتماعية ، فإن دستور العراق ينص على أن هذا البلد هو جمهورية ديمقراطية شعبية ، و دستور سوريا ينص على أن نظامها جمهوري دولته ديمقراطية شعبية و اشتراكية ، و دستور مصر ينص على أنها جمهورية نظامها اشتراكي ديمقراطي، و دستور لبنان ينص على أنه جمهورية ديمقراطية برلمانية ، و الصومال جمهورية ديمقراطية نيابية ، و ليبيا جمهورية عربية ديمقراطية حرة ، و موريتانيا جمهورية ديمقراطية و اجتماعية ، و جيبوتي دولة جمهورية ديمقراطية ، و اليمن دولة جمهورية عربية و إسلامية ،،،،،
كما لا تختلف نظم هذه الدساتير كذلك إلا من حيث آليات تعديل ( مراجعة ) الدستور ، فبعضها مثلا يتطلب إجراء استفتاء عام أو موافقة أغلبية ثلتي أعضاء البرلمان ، كما هو الحال في المغرب ، و بعضها لا يتطلب سوى أن يصدر رئيس الدولة ( أو أميرها ، أو شيخها ، أو سلطانها،،،) مثل هذا التعديل بواسطة مرسوم .
و لا تختلف هذه الدساتير ، أيضا ، إلا بحسب مصدر التشريع الذي تعتمده ، إذ في حين تعتبر المملكة السعودية أن القرآن هو نفسه دستور المملكة ، و ليبيا أن قانونها الأساسي يتألف من " إعلان قيام سلطة الشعب" و من " البيان الدستوري " و كذا من " الكتاب الأخضر " ، و مصر أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع فيها ،،، فإن دساتير دول عربية أخرى تعتبر أن الشريعة الإسلامية هي واحدة من مصادر تشريعاتها،،،
و علاوة على ذلك لا تختلف هذه الدساتير إلا بخصوص مدى اعتراف كل دولة من الدول المعنية بالتزامها الشكلي باحترام الصكوك الدولية لحقوق الإنسان و بآلياتها المصادق عليها ،،، لكن دساتير مجموع هذه البلدان ( 22 قطر ) تتشابه في كونها دساتير غير ديمقراطية . كيف ذلك ؟ ( الحالة المغربية نموذجا ) :
1 ـ أسئلة حول الشرعية الدستورية للأنظمة الحاكمة : هل نحن في المغرب مثلا بصدد نظام للحكم يستمد شرعيته من دستور ديمقراطي أم أننا نعيش حالة رتيبة لنظام حكم يوصف بأنه دستوري فقط لأن له دستور ؟ و هل المطلوب هو الاستمرار على نفس المنوال السابق منذ الاستقلال الإداري للبلاد في المطالبة بتعديل الدستور أم الكف عن ذلك و التحول إلى المطالبة بتغييره؟ هل لمجرد أننا أمام دستور يوصف بأنه دستور مرن نواصل الحديث في كل مرة و حين عن تعديل متوقع و ذلك في الوقت الذي تأكد فيه بحكم التكرار أن أي تعديل لن يمس جوهر الأشياء ؟ أ لم يحن الوقت لإدراك أنه لم يعد في البلد أي جهة عليا محايدة لتكون حكما فالمحايد و الحكم لا يجوز أن تكون له مصالحه الاقتصادية و المالية التي تجعله يحتكر بدل أن يحترم قواعد التنافسية فبالأحرى أن يساعد على إقرار الشفافية و وضع البلاد فوق سكة الديمقراطية ؟
2 ـ بخصوص الدساتير الممنوحة السائدة و الدساتير الموضوعة المأمولة : شتان بين مقاصد و مضمون الدستور المدون الممنوح و مقاصد و مضمون الدستور الموضوع إما في سياق تعاقد أو ميثاق أو اتفاق بين الحاكم و المحكومين أو تمت صياغته من قبل لجنة وطنية موسعة أو هيئة تأسيسية أو برلمان مؤقت .ففي حين يحيل الدستور الممنوح على وجود طرفين هما الراعي ( أي الأمير ، أو الملك ، أو السلطان ، أو الرئيس المدني أو العسكري ،، ) و الرعية ( جمع لا مفرد له ) ، و لا يقر إلا بأن هذا الراعي قد قرر أن يتنازل طواعية عن بعض سلطاته التسييرية ( و ليس التدبيرية ) لنخبة من رعيته و بالتالي يشرعن لنظام سياسي له دستور ،،، فإن الدستور التعاقدي أو المؤسسي ، و بالنظر إلى أنه لا يحرز الصفة الديمقراطية رغم تمثيل الجميع في المشاركة في صياغته و مناقشته و إبداء الرأي في مكوناته ، إلا عبر إجازته بواسطة استفتاء حر و نزيه و خال من كل المعيبات ، يحيل على نظام سياسي للحكم يستند على الشرعية الدستورية .
3 ـ في ميزات الدساتير الموضوعة بصفة ديمقراطية: إن الدستور الديمقراطي ( أو التعاقدي ، أو الاتفاقي ، أو التوافقي،، ) هو فقط الدستور المؤهل لإنشاء نظام سياسي من خاصياته : ــ أنه لا تختل فيه التوازنات لفائدة أي كان؛ ــ أنه يحسب فيه لكل مواطن ألف حساب ؛ ــ أنه لا يعترف لأي كان بقدسية فوق قدسية باقي الناس ؛ ــ أنه قد يمنح لفرد أو أسرة بعض الامتيازات الوراثية الرمزية المحدودة و المحددة كما هو الحال في بريطانيا و إسبانيا و بلجيكا و غيرها،،، و لكنه لا يركز لدى هذا الفرد أو تلك الأسرة سلطة أوتوقراطية مركزية تعلو و لا يعلى عليها ؛ــ أنه يقوم على تكامل السلطات و فصلها و عدم تمركزها ؛ ــ أنه تكون فيه السيادة للشعب ، وحده لا شريك له ، بشكل مباشر أو عبر ممثليه ؛ ــ أنه يكون فيه الشعب ، وحده لا شريك له بشكل مباشر أو عبر ممثليه ، هو مصدر جميع السلطات و هو الممثل الأسمى لها و المعبر الأعلى عنها و الممارس الأول و الأخير لها ؛ ــ أنه ، بما أنه لا مكان فيه للملائكة ، لا يوفر لأي كان فرصة للإفلات من الخضوع للرقابة و المساءلة و العقاب؛ ــ أن الدستور الديمقراطي هو الذي يمنح للسلطات صلاحياتها و ليس العكس ، أي أن الدستور الديمقراطي لا يزكي صلاحيات سلطة قررت ، بناء على منطق الغالب أو أي منطق آخر غير شرعي ، أن تكون السلطة التي لا يعلى عليها .
4 ـ بصدد المواطنة و حقوق الإنسان في الدساتير الديمقراطية : أكيد أن هناك تمييز بين حقوق الإنسان و المواطنة و لكنه تمييز لا يجب أن يتجاوز الحدود التي ترى أن المواطنة هي الوجه السياسي لحقوق الإنسان ، و بالتالي فإن الدستور هو الوثيقة التي من المفروض أن تجمع في النهاية أحكاما تهم الوجهين معا ، بل إنه بدون إقرار دستوري بحقوق الإنسان و حرياته و بدون ضمانات دستورية لكفالتها و بدون أحكام دستورية لتجريم مختلف الاعتداءات التي يمكن أن تؤدي إلى انتهاكها لن تتمتع المواطنة ، هي كذلك ، بحقوقها و حرياتها و لن تجد أي سند دستوري لحمايتها .
5 ـ بالنسبة لدسترة الحقوق و الحريات المستحقة للمواطنين العرب و الأمازيغ : ما هي الحقوق و العلاقات بينها التي من اللازم أن ينص عليها الدستور الديمقراطي ؟ سأغض النظر عن تلك التي يمنحها لنا الدستور المغربي الحالي ، و أمثاله في شمال إفريقيا و الشرق الأوسط ، بيده اليمنى و ينتزعها منا بيده اليسرى و أقول إنه : ــ يجب أن يتضمن الدستور تنصيصا محددا على أن القانون الدولي هو أحد مصادر التشريع الوطني ، و على أنه في حالة وجود تعارض بين القانون الوطني و القانون الدولي يجب أن يؤخذ بالقانون الدولي ، مع التنصيص على تعديل القانون الوطني في حالة وجود مثل هذا التعارض ؛ ــ بما أن المغرب طرف في معظم الصكوك الدولية لحقوق الإنسان ، فإن المادة 27 من اتفاقية فيينا الخاصة بقانون المعاهدات ، لا تجيز له التذرع بقانونه الداخلي ليتقاعس عن مراعاته لواجباته الدولية ؛ ــ يجب أن تشكل جميع الحقوق و الحريات المرصودة للإنسان في الصكوك الدولية إياها بما فيها تلك المشار إليها في القانوني العرفي الدولي جزءا لا يتجزأ من الدستور ؛ــ يجب أن يشدد الدستور على أن جميع الحقوق و الحريات ، سواء المفيئة في إطار الجيل الأول أو الثاني أو الثالث ، هي حقوق و حريات غير قابلة للتجزيء و تتمتع جميعا بالحماية؛ ــ يجب أن يصرح الدستور على أن حقوق الإنسان و حرياته هي مكفولة في جميع الأوقات ، و أن يتم احترام المعايير الدولية لهذه الحقوق و الحريات كلما دعت الضرورة إلى الانتقاص منها أو تقييد بعضها ؛ ــ يجب أن يحظر الدستور بألفاظ واضحة التعذيب و غيره من أشكال المعاملة القاسية و اللاإنسانية و المهينة ،و أن ينص بنفس الوضوح على تجريم ممارسي ذلك و الضالعين فيه ؛ ــ يجب أن يجرم الدستور كل تعدي على تلك الحقوق و الحريات حتى و لو صدر هذا التعدي عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية ؛ ــ يجب أن يكفل الدستور سبلا فعالة للتظلم ضد هذا التعدي و أن ينمي إمكانيات التظلم القضائي ؛ ــ يجب أن يكفل الدستور استقلال القضاء و نزاهته و عدم فسخ أحكامه ، و يرقيه إلى درجة سلطة تحرس الدستور و تضمن المحاكمة العادلة ؛ــ يجب أن يكفل الدستور بشكل آمر و ملزم حرص السلطات المكلفة بإنفاذ الأحكام الصادرة ضد التعدي على حقوق الإنسان و حرياته على القيام بهذا الإنفاذ ، مع تجريم كل تقاعس أو إخلال بهكذا مسؤولية ؛ ــ يجب أن ينص الدستور على أحكام تتناول الجوانب المتعلقة بالضبط المالي و الشفافية و عدالة توزيع الموارد.
* المصطفى صوليح ُ El Mostafa Soulaih من المغرب ، كاتب ، باحث ، و مؤطر ، في مجال التربية على حقوق الإنسان و المواطنة ، من أطر اللجنة العربية لحقوق الإنسان . صدر له ، عن أوراب و اللجنة العربية لحقوق الإنسان و الأهالي ، كتاب تحت عنوان : " نقد التجربة المغربية في طي ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان " .
ــ جريدة " القدس العربي " ـ مدارات ــ صفحة 18 ، ليوم السبت 10 نونبر 2007 .
elmostafa.soulaih@menara.ma
|